عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

386

اللباب في علوم الكتاب

ومنها : أنّه تعالى لما أمر بصيام ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة بعد الرّجوع ، فليس فيه بيان أنّه طاعة عظيمة كاملة ، فلمّا قال بعده : « تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ » دلّ ذلك على أنّ هذه الطّاعة في غاية الكمال ؛ وذلك لأنّ الصّوم مضاف إلى اللّه تعالى بلام الاختصاص كما قال : « الصّوم لي » ، والحجّ أيضا مضاف إلى اللّه تعالى بلام الاختصاص كما قال « وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ » ، فكما دلّ النّصّ على مزيد اختصاص هاتين العبادتين باللّه - سبحانه وتعالى - ، فالفعل دلّ أيضا على ذلك . أمّا في الصّوم فلأنّه عبادة لا يطّلع العقل على وجه الحكمة فيها ألبتّة ، وهو مع ذلك شاقّ على النّفس جدّا ، فلا جرم لا يؤتى به إلّا لمحض مرضاة اللّه - تعالى - ثمّ إنّ صوم هذه تعني الانقياد له . وكذا الحجّ عبادة لا يطّلع العقل على وجه الحكمة فيها ألبتّة ، وهو مع ذلك شاقّ جدا ؛ لأنّه يوجب مفارقة الأهل ، والولد والتّباعد عن أكثر اللّذّات ، فلا جرم لا يؤتى به إلّا لمحض مرضاة اللّه تعالى ، ثمّ إنّ صوم هذه الأيّام العشرة بعضه واقع في زمن الحج ، فيكون جمعا بين شيئين شاقّين جدّا ، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحجّ ، وهو انتقال من شاق إلى شاقّ ، ومعلوم أنّ ذلك سبب لكثرة الثّواب ، وعلوّ الدّرجة ، فلا جرم لمّا أوجب اللّه - تعالى - صيام هذه الأيّام العشرة ، شهد سبحانه على أنّها عبادة كاملة في غاية الكمال والعلوّ ، فقال تعالى : « تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ » ، أي : وإنها كاملة . قوله : « ذلِكَ لِمَنْ » « ذلك » مبتدأ ، والجارّ بعده الخبر . وفي اللّام قولان : أحدهما : أنّها على بابها ، أي : ذلك لازم لمن . والثاني : أنها بمعنى على ، كقوله : أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ [ الرعد : 25 ] ، وقال عليه السّلام « اشترطي لهم الولاء » « 1 » ، أي : عليهم ، وقوله تعالى : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [ الإسراء : 7 ] أي : فعليها ، وذلك إشارة إلى التّمتّع ، والقران للغريب [ ولا حاجة إلى هذا . و « من » يجوز أن تكون موصولة ، وموصوفة . و « حاضري » خبر « يكن » ، وحذفت نونه للإضافة ] . فصل [ في ما يلزم المتمتع من الهدي وبدله ] قوله : « ذلك » إشارة إلى أمر تقدّم ، وأقرب الأمور المذكورة ، ذكر ما يلزم المتمتع من الهدي وبدله . وقال بعض العلماء « 2 » : لزوم الهدي وبدله للمتمتّع مشروط بألّا يكون من حاضري المسجد الحرام ، فإن كان من أهل الحرم ، فلا يلزمه هدي المتمتّع ، وإنّما لزم الآفاقي ؛

--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 1 / 352 ) والدارقطني ( 2 / 219 ) والبيهقي ( 5 / 222 ) والطبراني في « الكبير » ( 11 / 363 ) . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 135 .